أحمد بن علي القلقشندي

175

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وهذه نسخة توقيع من ذلك ، يستضاء به فيما يكتب من هذا النوع ، كتب بها بنظر جعبر ، من معاملة حلب ، وهي : رسم بالأمر الشّريف - لا زال منهلّ النّدى ، مستهلّ الجدى ( 1 ) ، معيدا للإحسان كما بدا - أن يعاد فلان إلى وظيفته : لما ألفت من سيرة له لم تزل تحمد ، وسيما خير منه على مثل الشّمس تشهد ، ولأمانته الَّتي لم تزل تفترّ بها الثّغور ، وتخضرّ بها المعاهد : تارة في طوق النّحر وتارة في نحور البحور ، وأصالة امتدّ ظلَّها الظَّليل ، وعرف منها في العصر حسن الأصيل ، وأينعت أكرم فرع زكا منبته ( 2 ) في الأرض المقدّسة وجوار الخليل ، ولما أسلف في هذه المباشرة من عمل صالح ، وسداد اعتماد لم يخرج عن تحرير تقرير وتقرير مصالح ، وكتابة رآها الرّائي ونقلها النّاقل ، وكفاية حفّت عيه مثل العروس المجلوّة من عقائل المعاقل . فليباشر هذه العروس فقد أنقدها ( 3 ) سالف الخدم وأمهرها ، وليثابر سقيا الغروس الَّتي أنشأها في هذه الجهة وثمّرها ، وليسلك مسلكه الَّذي لم يزل مخيّما على رؤوس القنن ، ومهوّما به طرف الأمن لليقظة الذي لا يلمّ به الوسن ، مخوّلا في وظيفته المبرّات ، مستقبلا للمسرّات ، مفتخرا بمباشراته الَّتي تجري مجاري البحار : تارة الملح الأجاج وتارة العذب الفرات ؛ وهو أعرف بما يقدّمه من أمانة بها يتقدّم ، وديانة يرجّب ( 4 ) بها استكفاؤه ويحكَّم ؛ وتقوى اللَّه جماعها فليكن بها متمسّكا ، وبمشاغلها متنسّكا ؛ واللَّه تعالى يجعل عطاءه موفّرا ، وعمله متدفّقا ليردّ جعبرا جعفرا ( 5 )

--> ( 1 ) الجدا : العطاء ، والمطر العامّ . وفي الحديث : « اللهمّ أسقنا غيثا غدقا ، وجدا طبقا » . ( 2 ) في الأصل « منبتها » بالتأنيث . ( 3 ) لعل الهمز من زيادة الناسخ . والصواب « نقدها » من الثلاثي . أما أنقد فهي غير مناسبة . يقال : أنقد الشجر : أي أورق . ( 4 ) أي يعظَّم . ( 5 ) من معاني الجعبر : القصير الدميم ، والقدح الغليظ القصير الذي لم يحكم نحته . والجعفر : النهر ، والناقة الغزيرة اللبن .